آخر التعاليق

طـــــــــــــــــاغيه أنوثتك بلا هواده قــــــــــــــاتله متراميه شــــــــــــباكك أنت ظــــــــــــــــــــالمه كيف أتصنع ...

05/07/2010 على الساعة 21.58:57
من طرف زغلول الطواب


الصحفية ملكة جمال
بس القصة ...

20/06/2010 على الساعة 18.38:27
من طرف fan


انتابنى شعور غريب لدى قرأتى لهذه ...

03/05/2010 على الساعة 10.20:44
من طرف وحيد كساب


هل تعلم أن أول من تمنى ...

25/04/2010 على الساعة 23.48:44
من طرف bob


thnx

24/04/2010 على الساعة 19.01:12
من طرف noga abdo


لقد شعرت بقشعريرة من القصة لان ...

18/04/2010 على الساعة 12.39:43
من طرف ريهام سعيد


يومية

سبتمبر 2010
الإثنينالثلاثاءالأربعاءالخميسالجمعةالسبتالأحد
 << < > >>
  12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
27282930   

الاديب هنري ميللر :

يجب أن أعترف بأنني كنت مدفوعا بالكتابة ، حيث أنه ثبت لي أن هذا هو المنفذ الأوحد المفتوح أمامي وهو وحده العمل الذي يستحق أن أكرس له كل قواي ولم تكن الكتابة بالنسبة لي هروبا من الحياة بل هي انغمار في حوض مالح آسن .. انغمار إلي المصدر حيث الحياة تتجدد بصفة دائمة وحيث الحركة سرمدية و هائلة

من على الخط؟

عضو: 0
زوار: 2

إعلان

الكلمات المحورية.

لا يوجد هناك أي تعيين في هذه المدونة

اختيار التصميم



الروابط

بستان المعرفة

صعيدي د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

صعيدي

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

اهداء للموقع
Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

كانوا خمسة عشر رجلا لوحت الشمس وجوههم ، يهلون من وراء السوق  صباح كل يوم بجلابيبهم ، يدبون على الأرض ، رؤوسهم مرفوعة ، تتأرجح بيد كل منهم عدة البناء من قادوم وإزميل وسكين ملفوفة بقطعة قماش . قادمون إلي العاصمة من قرى الصعيد بالمنيا ، وسوهاج ، وأسيوط . استأجروا وراء سوق صقر قريش شقة مشتركة ثلاث حجرات الصالة واحدة منها ، ليس بها شيء ولا قطعة أثاث واحدة ، فقط  صنابير المياه والمسامير التي انغرست في الجدران ليعلقوا عليها الجلابيب . استأجروها بأربعمائة وخمسين جنيها في الشهر يدفع الفرد منهم ثلاثين جنيها ، يثوبون إليها كل مساء  بعد نهار منهك، يغتسلون من عرق العمل وترابه،  يشربون أكواب الشاي مع السجائر، ويتبادلون كلمات قليلة . " من يشتاق إلي أهله في أسيوط ؟ " ، " من أرسل كم جنيها إلي أمه بالبريد ؟ " ، و " من مرض له ولد ؟ " ، ثم يرقد كل خمسة في حجرة ، متلاصقين كأصابع كفتة في صينية . في الصباح يخرجون من وراء السوق إلي الشارع الرئيسي، يدبون برؤوس مرفوعة ، ويقصدون الرصيف المقابل لموقف الأتوبيسات ، يقرفصون على الأسفلت في صف بطول الرصيف ، يضعون العدة على الأرض ، ويبزغ أمام كل منهم طرف إزميل مدبب يبرق تحت ضوء الشمس إعلانا عن أن هناك بشرا يبحثون عن أشق أنواع العمل . يقرفصون مثل خمسة عشر فما جائعا وعنيدا وصامتا ، يشبهون الصلابة واليأس ، ويشبهون حربا تحتشد ، كل ما فيها جاهز للقتال ، لكن الهدف لم يظهر بعد .

صباح اليوم ، كان الجو حارا بشكل لم يسبق له مثيل ، الهواء ساخن ،. قرفصوا  كعادتهم وخفقات قلوبهم تتواصل من قلة الهواء والضوء الرهيب والعطش  ينتظرون أن يظهر زبون باحثا عن عمال . وفجأة توقفت أمامهم سيارة زرقاء خرج منها رجل ملتح ، فنهضوا كلهم كمن لسعهم تيار كهربائي متدافعين ناحيته ، تحلقوه . " أمرك يا بيه . نقل موبيليا . هد حيطة . بناء " . قال إن لديه سور حديقة تهدم ويريد إزالته ،  ويلزمه عاملين . عادة كانوا يتصايحون ويتزاحمون ويلوحون بقبضاتهم ويعرض كل منهم سعرا أرخص من الآخر ، لابد من القتال حتى آخر رمق لانتزاع الزبون ، هذا قانون الصراع ولا رحمة فيه ، وجميعهم يعرف ذلك ، لكنهم هذه المرة ، أفسحوا فرجة صغيرة بين أكتافهم لجمال ، تراجعوا قليلا بوجوههم الخشنة لكي يجد هو طريقه إلي الزبون، لأنه كان اصغرهم سنا ، ولم يسعده الحظ بعمل منذ أسبوع . عاينه الزبون وقال له : أنت صغير .. والشغل اللي عندي عاوز رجالة جامدة . هجموا من جديد حتى اختار الرجل اثنين من بينهم ركبا معه وانصرف بهم .

عادوا يقرفصون في جلستهم، يدخنون ويختلسون النظر إلي جمال من وقت لآخر. كان رأسه المرفوع تحت الشمس يترنح قليلا من الصهد والجوع ، ثم ينتفض في رجفة مستعيدا توازنه . لم تكن لديه خبرة بعد في انتزاع الزبائن والمزاحمة بالأكتاف و المفاصلة على أجرته . كلهم بدأوا هكذا بمشقة . بعد ربع الساعة توقفت سيارة أخرى جديدة تلمع . هبوا جميعا واندفعوا إليها . قال صاحب السيارة لمن هجموا عليه : أريد عاملا واحدا فقط . في الخلف كانت تجلس طفلة في العاشرة رأت جمال فصاحت بأبيها وهي تشير بإصبعها : بابا .. خذ هذا . نظر إليه وأشار له أن يركب إلي جواره . ركب وربطة الشغل بيده . واندفع صاحب السيارة للأمام يتخلص من الحشد . قطعت السيارة نحو مائتي مترا، وتنحنح جمال يسأل : الشغل إيه ؟ . قال له الرجل : أنا بيضت الشقة عندي وتركها العمال بالبقع في كل مكان . تحتاج تنظيف. التفت جمال ناحيته بجانب وجهه متسائلا : مسح وكنس يعني ؟ . قال : نعم . ترنحت رأس جمال ، ثم شد رقبته لأعلى واكتسبت ملامحه صرامة الصعايدة قائلا بصوت منهك : الصعايدة ما يشتغلوش في المسح . عاد به الرجل إلي حيث صادفه . هبط من السيارة ، ثم أحنى جسمه إلي النافذة نصف المفتوحة واشار إلي زجاجة ماء قرب الرجل وقال له : ممكن بج ميه ؟ .

04 سبتمبر 2010
محمد خطاب · شوهد 5 مرة · 0 تعليق
الفئات: الادب
ما هو الرنين من تصفيق يد واحدة ؟ نبيل عودة


نبيل عودة

كاتب , ناقد وصحفي فلسطيني – الناصرة

nabiloudeh@gmail.com

بدون سابق انذار تغير الطقس  . كان صباحا باردا جدا وماطرا  ، الأمر الذي uhr  أعاق وصول بعض الطلاب في الوقت المحدد  لبدء الدراسة. شعر المتعوقون ببعض الرهبة ، بان يكون المحاضر قد سبقهم ، دون ان يؤثر اختلاف الطقس على توقيتاته المبالغ فيها ،  وما سببه اختلاف الطقس المفاجئ من ازدحام الشوارع بالمركبات وبطء غير عادي في حركة السير .

كان  المحاضر لا يتهاون في مواعيد محاضراته ويصر على التزام الطلاب الكامل بالدقيقة لمواعيد دروسه، ويرفض دخول اي طالب بعد ان يكون قد دخل الصف واتخذ مكانه المعتاد  بادئا درسه .وله في ذلك نظرية متكاملة ترى بالوقت ملكية اجتماعية عامة غير قابلة للتصرف حسب الأهواء الشخصية .  ولكنه اول يوم ماطر وفوضى سير ، واكتظاظ في الحركة المرورية  ، وربما يكون قد تعوق هو نفسه لنفس الأسباب.كما تمنى الطلاب وهم يهرولون ركضا لقاعة المحاضرات.

كان من عادة المحاضر ان يدخل متأخرا دقيقتين تماما ، فاتحا المجال للطلاب للوصول الى مقاعدهم والاستعداد العقلي  لدرس  الفلسفة .

المستهجن ان ذلك الصباح الماطر والبارد ، تأخر المحاضر عشر دقائق كاملة قبل الدخول الى الصف ، رغم ان البعض شاهده يدخل حرم الجامعة ، قبل الوقت بعشر دقائق. مما انقذ الكثير من الطلاب من ابقائهم خارج القاعة. ولكن تبين كما قال احد الطلاب ان "اليوم عسل" بسبب الخير الدافق من السماء .

صحيح انه يمكن نقل تفاصيل المحاضرة عن كراريس الزملاء .. غير ان فقدان ساعة تسبب لهم مشاكل مع العلامات التي يسجلها المحاضر على أعمالهم ، ويلزمهم بتعويضها بمواعيد أخرى ، الأمر الذي يسبب لهم ضغوطات دراسية وضيق في الوقت ، وعلامات أقل مما يعتقدون انهم أهل لها. لذا يمكن القول ان مواعيد دروسه كانت من الدقة لدرجة يمكن ضبط أفخر الساعات السويسرية  على ثوانيها. وقد انتشر في محيط الجامعة اصطلاح يقول  " توقيت محاضر الفلسفة"  ويعني الألتزام بالثانية ، واعتبار  الوقت موضوعا حاسما في البناء العقلي للإنسان ، وفي تقييم رقي المجموعات البشرية . وكان يردد قولا يقول ان الفرق بين مجتمع حضاري متقدم ومجتمع بدائي متخلف ، يتعلق بشكل قاطع بفهم قيمة الوقت ، وانه ليس ملكا خاصا يتصرف به البشر على أهوائهم.

ووكثرا ما كرر المحاضر امامهم نظريته التي تقول  انه لا قيمة للفلسفة والتفكير الفلسفي الا بتحديد اطار للوقت يلتزم فيه العقل بدقة المواعيد ، ودقة وقت الحديث ، بحيث لا يتحول الى ثرثرة وفوضى ، لأن ذلك يقود الى فوضى في المخ البشري ، والاستهانة بالفكر ،  الذي لولاه لظل الانسان بعيدا قرونا عديدة عن الواقع المتطور الذي وصله اليوم . وأن ضبط الوقت يضبط تصرفات الانسان ، وينظم حياته ، بحيث لا يمر الزمن سدى ، والوقت هو القيمة العليا  لكل مجتمع يخطط للرقي والتقدم وتطوير ملكاته العقلية والعلمية والبشرية. وكان يردد دائما :" بان مجتمعا يعيش غارقا بماضيه ، لا مستقبل له ". ويفسر قوله : " الماضي زمن لا يمكن استعادته ، او تكراره بنفس الاطار ،  مهما كان عظيما، عظمته هي في وقته الذي لم نعد نعيشه ، وما تبقى منه مجرد تاريخ ونوسطالجيا ، لا قيمة له خارج الفكر التاريخي . ويقول : من المستحيل ان نعيد الزمن الى الوراء الا بقصص الخيال العلمي ، وفي الواقع التمسك بالماضي هو تمسك بحلم ، وعندما يفتح الحالم عينيه ، سيرى انه خسر حاضره أيضا ، وعلى الأغلب مستقبله أيضا . يجب ان نعيش الواقع وليس الحلم . ما سيأتي ، او ينشا ، سيكون الجديد فقط ، كان الماضي جديدا في زمنه ، واليوم لم يعد ينفع الا لمتاحف التاريخ . رفض الجديد هو وأد للوقت . وعندما يصحو العقل ، سيكون كل شيء متأخرا من ناحية الوقت  . والوقت لا يرحم . لا نملك الوقت ، بل الوقت يملكنا بمفهوم ما ، اذا لم نندمج مع حركته ، الصاعدة دائما الى أعلى ، ستصير المسافة بيننا وبين الزمن أكثر اتساعا لدرجة يستحيل تجاوزها. وربما نفقد  انتمائنا لنفس الانسان السائر مع الزمن ، وسيجدون لنا انتماءا لنوع جديد  مختلف عن ذاك الذي نلهث اليوم وراء منتوجات حضارته  . هذا حدث في تاريخ تطور الانسان عبر عصور التاريخ ، ولا يوجد قانون يقول ان البشرية اليوم ستبقى من جنس  واحد  متساو ، الا في الشكل  .ان من يفقد ساعتان كل يوم من أجل طقوسه ، هذا يعني ان مجتمعه يفقد 50 ساعة انتاج شهريا ، واذا حددنا عد المنتجين  ب نصف مليون منتج ، يعني ذلك ان المجتمع  يخسر كل شهر 25 مليون ساعة انتاج .

وما هي النتيجة ؟

المزيد من التأخر في مستوى الحياة ، في الخدمات ، في مستوى التعليم بكل مراحله ، في تطور العقل ، وفي دخول تاريخ الحضارة.

لا اتحدث عن خيال، بل عن واقع ملموس ، احسبوا الآن ضياع ساعات انتاج  لخمسة ملايين منتج ؟ النتيجة مرعبة . ضياع 250 مليون ساعة انتاج شهريا. في السنة 3 مليار ساعة. ما يضيع أضخم من ذلك . لو قلنا ان ساعة الإنتاج تنتج مردودها 10 دولارات بالمعدل ، وهو حد أدنى في المفاهيم الاقتصادية الدولية ، والمقياس الدولي يتراوح بين 50– 150 دولار انتاج في الساعة وأحيانا في الصناعات التكنلوجية المتقدمة أكثر من 300 دولار انتاج في الساعة ، اذن تخيلوا الخسائر الرهيبة للمجتمع والانسان ، بسبب الاستهتار بالوقت ، والظن ان الوقت لا قيمة اقتصادية له . .

والآن ، طلابي الأعزاء المغرورين  ، كما يتوجه لطلابه دائما.. باستطاعتكم ان تفهموا لماذا المجتمعات المحافظة والمنغلقة متخلفة ، ولا تملك آفاقا تبشر بالتغيير .. او اللحاق بالتطور العاصف في عالمنا .

كان المحاضر ، الى جانب دقة الوقت ، يلزم طلاب الفلسفة بدقة التعابير ، ومساحة الدقيقتين المقررتين  للإجابة على أسئلة يطرحها المحاضر ليفحص ان طلابه متواجدين ، ليس باجسامهم فقط داخل القاعة ،انما بعقولهم أيضا . وكانت نظريته تقول ان الذي يستوعب موضوعه ، يستطيع تلخيصه بدقيقتين ، وبأقل من دقيقتين .. وأن صحة الجواب او خطأه ، ومدى استيعاب الطالب ، او أي انسان ،  للموضوع الذي يتحدث عنه ، تظهر من الجملة الأولى. لذا "الثرثرة اتركوها لجداتكم" ، كما يقول ببسمة ساخرة .

كان الطلاب يحبون دروس استاذهم ، رغم صعوبة توقيتاته وتعصبه للوقت ، ونهجه غير المهادن ، والرافض لكل الحجج والمبررات  الا حجة الموت .. "وهذه نعرفها من اعلانات النعي ، ونقبلها ، ولا نريدها لكم " . والحقيقة الثابتة انهم تعودوا حقا على الالتزام بالوقت حتى فيما بينهم. وصار كل تجاوز في موعد ، يثير امتعاضهم القوي . مثلا يلتزم الطالب ان يتواجد يوميا في قاعة المكتبة من الثالثة حتى الرابعة والربع .. وفي الرابعة والدقيقة السادسة عشر يكون خارج القاعة ...

ورغم شخصية المحاضر الصعبة ، الا ان محاضراته  هي متعة عقلية غير عادية. ينقلهم فيها المحاضر الى عالم سحري من الأفكار الفلسفية ، التي قلبت عالمنا ، وشكلت مضمونه الذي نحياه ، عبر الطريق التي اجتازتها الشعوب ، او الأصح  القول الطريق الذي اجتازه الفكر الانساني ، الى ما هو عليه اليوم من تقدم أو تخلف ومن سمو أو حضيض ، يبرز في المجتمعات البشرية بحالات مختلفة أشد الأختلاف. وان المسالة لا تتعلق بشعوب عبقرية وشعوب غبية ،كما أكد المحاضر مرارا ، انما بتخطيط  تربوي وتعليمي ، وتبني المجتمع للعلوم كقاعدة للتقدم في جميع المجالات . واعتبار شل العقل بتلقين وترويج القصص الخرافية ، وأنصاف الحقائق ، والحكايات غير العلمية ،  جريمة ضد البشرية.

بعض ما كان يبدو لهم  طلاسما ، مرهقة ومملة وعصية عن الفهم  ، أضحت  بعد  شروحات المحاضر حقائقا ملموسة ، أدخلتهم الى أجواء لم يتوقعوها من الاندماج الروحي والفكري مع ذاتهم وعالمهم ، الأمر الذي يعزز شعورهم بأن ما اكتسبوه حتى اليوم ، يعتبر ثروة فكرية تجعلهم حقا مميزون عن أترابهم الذين اختاروا مواضيع أخرى او ذهبوا الى سوق العمل. بل وتجعلهم على نقيض مع عائلاتهم ومع مجتمعهم  ومع واقعهم بكل قناعاته وأفكاره وعاداته وعلاقاته وعقليته  ، لدرجة ان بعض الآباء يظنون ان ابنائهم ، يفقدون عقولهم ويصابون بالاستعلاء والعقوق ، بدل ان يزدادوا حكمة  وتمسكا بموروثات الآباء والأجداد  ، من خلال  دراساتهم الجامعية.

عندما كان يسرد طلابه الإشكاليات التي يصطدمون بها مع عائلاتهم ومجتمعهم ، بسبب ميلهم الى تطبيق ما اعتادوه من دروس الفلسفة ،  كان يغرق بالضحك  وكأنه يشاهد مسرحية كوميدية. ثم يعقب:"انا الآن سعيد بكم .. جهدي لم يذهب سدى "!

كان المحاضر يحلل أصعب الأفكار الفلسفية بقدرته على صياغة جمل نصية واضحة وكاملة المعنى ،  ويضيف لها النماذج الملموسة من الحياة نفسها او من الأساطير التي ترمز الى معاني معينة. ومع ذلك ، كانت البداية معه مرهقة جدا ، حتى استطاعوا التأقلم مع مفاهيمه التي كانت تبدو ، قبل أقل من شهر واحد فقط ، نوعا من التعسف والإذلال  الذي لا مبرر له.

******

دخل المحاضر الصف بابتسامته الواسعة ، والتي تخفي شخصيته " الألمانية " كما يقول الطلاب مستعيرين هذه الصفة للإشارة الى دقته وقسوته ، والتزامه بانضاط مبالغ فيه في رأيهم ، في كل علاقاته ، حتى في المواعيد مع طالب للإستفسار عن مسألة معينة، يحدد وقتا دقيقا. مثلا من الثانية وخمس دقائق وحتى الثانية والثلث. لن يستقبل الطالب قبل ان يدق "توقيت الفلسفة " الثانية وخمس  دقائق. ولن يعطي الطالب ثانية واحدة بعد الوقت المقرر. كان الطالب ينتظر على باب مكتب المحاضر، ونظراته تراقب عقرب الساعة ، او كلمة أدخل حين يحين الوقت .واذا صدف وتعوق ، لن يلقاه مرة أخرى لفترة شهر كامل.

وكثيرا ما تساءل الطلاب عن علاقة ذلك بالفلسفة؟ وحين تجرأت سعاد وسألته هذا السؤال ، تمنت ان تنشق الأرض وتبلعها لجوابه "النشاز والوقح " كما اشتكت لصديقاتها . قال : " الوقت ليس علاقة غرامية بالسرير ، هناك وقت مفتوح بلا حساب من العقل ، كفي ضحكا..( صرخ بعبوس على انطلاق ضحكات من مقاعد الطلاب)  في الحياة نفسها من يضيع دقيقة يضيع ملايين الدقائق من حيوات ملايين البشر ، الوقت ليس ملكا شخصيا لأحد ، بمثل عقليتك يا سعاد لن يتقدم العالم ، وربما كنا ما زلنا حتى اليوم في العصر الحجري ومشاعية النساء ، مجتمعكم متخلف لأنه لا يقدر قيمة الوقت مثل المجتمعات المتقدمة  ، يجب ان  تكونوا جهازا فعالا لوضع حد لفوضى الوقت .. والا لا قيمة لكل دراستكم للفلسفة اذا واصلتم حياة التهريج والفوضى وعدم الانضباط والمسؤولية بانجاز العمل في وقته ، وليس حسب التساهيل والنفسية والطقس والرغبات الشخصية ... لذلك انتم في الفلسفة ، انتم امام اكتشاف لقيمة الزمن وارتباطه الوثيق بتقدم البشر والمجتمعات البشرية ، والسباق نحو الفوز بالأولوية في الاكتشافات والتقدم المعرفي والتكنلوجي والعلمي ، وليس السقوط بعادات لا تحترم الوقت وتحرقة بالخرافات والتنبلة والأوهام  !!"

على غير عاداته هذا اليوم  الماطر، جلس يضاحك الطلاب ، ويبدو ان المطر نقله الى نشوة لا يعرفونها به  . ورغم مضي عشر دقائق على دخوله لقاعة المحاضرات متأخرا عشر دقائق أخرى ، الا ان بعض الطلاب لم ينجحوا بالوصول بعد ، والذين يصلون يقفون حائرين قرب الباب مترددين في الدخول ، وحتى كلمة " ادخلوا " التي صدرت عنه لم تقنعهم انهم المعنيون بها. دخلوا رجلا للأمام وأخرى للخلف ، ولم يطمأنوا الا بعد ان جلسوا على مقاعدهم . بعد مضي عشر دقائق أخرى قال :

-        المطر خير .. ولكن له فعل سلبي على درسنا اليوم وعلى قدسية الوقت . منذ الغد لن أقبل أي تعويق ، نعود الى منهجنا . واضح ؟ حتى لو تراكمت الثلوج الى علو متر كامل . خذوا احتياطكم .. لا يهمني ان تباتوا هنا.

وتابع :

-        حسنا ، اليوم خمر .. نسمح لجميع الطلاب بالدخول ، وغدا أمر.. نعود لمسؤوليتنا ونظامنا والتزامنا بالوقت ، باعتبارنا رجال فكر وليس رواد مقاهي الأرجيلة !

وسأل :

-                        ماذا كان درسنا الأخير؟

وجه نظراته للطلاب، فارتفع أكثر من صوت :

-                        تحدثنا عن البوذية  .. 

-        أجل . الشتاء لم يؤثر على ذاكرتكم .. البوذية  ، كما قلنا هي  أكبر دين في العالم . وظهرت في الهند في القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد ، والمستهجن ان ستة الاف سنة وأكثر مرت منذ ظهور اول دين سماوي ( اليهودية ) يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة  ، الا ان البوذية ما تزال تعتبر من أكبر الديانات انتشارا على وجه الأرض  ، كيف لم ينجح أحد  من كل انواع الغزاة من  دعاة الديانات التوحيدية ، الى تقليص او زحزحة هذا الدين غير السماوي ؟

ينسب تأسيس البوذية الى الأمير الهندي  سيدهارتها غوتاما ، وكان يلقب ببوذا   وتعني "المتنور" ، ويعود سر نجاحها الى المساواة الدينية الروحية ومكافحتها تفرقة الناس الطائفية. من هنا قوتها وصلاحية استمراريتها . وانتشرت البوذية  عدا الهند ، في الصين واليابان وكوريا والعديد من بلدان جنوب شرق أسيا. حدثت تطورات على البوذية ، قربتها من الفكر الإلهي ، او التوسل لإرضاء الآلهة ، ولكنها ظاهرة هامشية لدى بعض التيارات البوذية فقط ..  وما زالت البوذية في جوهرها اقرب للتربية الشخصية والاخلاقية . أي ليست بجوهرها دينا سماويا .

الكشف الفلسفي عن البوذية يعود فضله الى الفيلسوف الألماني من القرن التاسع عشر أرتور شوبنهاورالذي تأثر بالفلسفة البوذية ، ومن الجدير القول ان شوبنهاور كان نقيضا للفيلسوف الألماني هيغل .. كان ملحدا ، ربما هذا ما قربه من البوذية كفكر غير الهي  ، ويمكن القول ان وجوهر فلسفة شوبنهاور كان بتأثيرها.

يقول شوبنهاور: " نحن نحس بالألم اذا أصابنا ، ولا نحس نهاية الألم ".  تمييز جدير بالدراسة.. هذه ضمن روحانيات البوذية الفلسفية . وتطرح البوذية رؤية تقول ان السعادة ليست سلبية ، ولكن السلبي هو الانسان الذي لا يحس بها". ومن هنا كان شوبنهاور ، تماما مثل البوذية ، يعتقد ان الحياة مجرد معاناة ، نضال واحباط . وان طريقة الهرب الوحيدة ، او الخلاص من هذا الواقع ،هو الاستسلام . كبت الأشواق ، وقمع الارادة للحياة . أي نوع من التصوف.. ولكنه تصوف بوذي شديد القسوة على الذات الانسانية. وتبرير ذلك  عند شوبنهاور والبوذية ، ان التنازل ، بمفهوم الاستسلام أيضا ، يقود الى الرحمة ، او الشفقة على كل المخلوقات الحية وتقديسها ، أي أشبه بصفعة لجعل النفس نقية . بينما هيغل رأى ان الشقاء طريق للسعادة في النهاية  .

 في عالمنا اليوم يبدو هذا الوضع غير قابل للتنفيذ .. ولكن الحقيقة ان ملايين البوذيين يمارسون هذه الشعائر.. أكثر من شعائر أي دين توحيدي آخر .

قاطعه صوت طالب:

هناك جمعيات الرفق بالحيوان .. هل لها جذور بوذية.-   

- لا علاقة شرطية ، انما رؤية انسانية عامة .ربما نحتاج الى جمعيات الرفق بالبشر أيضا في هذا العالم الذي صار العنف والقتل من مميزاته.    

وتابع :

- البوذية وشوبنهاور سوية ، رأوا ان الحياة دائرة متواصلة من الاحباط والملل . عندما لا  نحصل على ما  نريد ، نصاب بالملل . وأن أكبر إحباط يحل على الانسان عندما يظن ان الفرج بات  قاب قوسين أو أدنى من قبضة يده ، وانها خطوة ليحصل على أمنية طال انتظاره لها.وفجأة يتبين ان أمانية أضحت أكثر بعدا رغم انها كانت شديدة القرب للحصول عليها.

هناك اسطورة تفسر هذه الفلسفة: وتتعلق بفلسفة شوبنهاور المتأثرة بالبوذية وتعرف باسم "فلسفة السعادة والشقاء" .. وهي تفسر مفهوم السعادة والشقاء البوذي وهو لا يتناقض مع مفاهيم كل المجتمعات  البشرية وبغض النظر عن قناعاتها :

كان أميرا جميلا ، قامت ساحرة شريرة بحرمانة من الكلام ، الا كلمة واحدة كل سنة.واذا تجاوز المحظور ، فسوف يصاب بالعمى والطرش أيضا. فالتزم المسكين بما كتب له من الساحرة  الشريرة. ولكن الساحرة سمحت له بتوفير الكلام ، بمعنى : اذا لم يستعمل الكلمة في سنة معينة ، يستطيع في السنة التي تليها ان يستعمل كلمتين.. وهكذا دواليك .. ما يوفره من كلمات ، يستطيع استعمالها في سنوات تالية .

التقى في حديقة القصر ، بأميرة رائعة الجمال ، جاءت مع والدها في زيارة ملوكية ، فاعجب بها وعشقها بكل روحه ،اراد ان يقول لها : " أميرتي الجميلة "، ولكنه  لم يكن يملك في السنة الأولى الا كلمة واحدة لا تفي بالغرض . فصمت مضطرا سنة كاملة. رد الزيارة بعد سنة ، وقبل ان ينطق بالكلمتين ، فكر وقال لنفسه ولكني أحبها واريد ان أقول لها ، أميرتي الجميلة ، أنا أحبك " وهكذا ينقصة سنتين أخريين ، فصمت ، بعد سنتين قال في نفسه انه يريدها زوجه له ، ويريد ان يقول لها : اميرتي الجميلة انا أحبك ، هل تقبليني زوجا لك ؟" ولكلمات " هل تقبليني زوجا لك"  يحتاج الى اربعة سنوات أخرى. فصمت. وهكذا مرت ثماني  سنوات ، وبحماس سافر اليها ليقول لها كلماته التي وفرها لمدة ثماني سنوات  : " أميرتي الجميلة  ، أنا أحبك . هل تقبليني زوجا لك ؟ "

سار مع الأميرة في حديقة القصر ، بين الزهور والعصافير المغردة والجو الشاعري اللطيف ، شاعرا بنبض قلبها في ذراعه الذي تتأبطه الأميرة.. متحينا الفرصة ليقول ما وفره من كلمات خلال الثماني سنوات  .وتحت شجرة وارفة الظلال ، توقفا يتأملان مجرى النهر أمامهما .. وقرر انها الفرصة المناسبة التي يستعد لها منذ ثماني سنوات ، وبدون سابق انذار قال لها :

أميرتي الجميلة ، انا احبك ، هل تقبليني زوجا لك ؟-

تفاجأت الأمير بسماعها صوت الأمير ،فالتفت اليه متسائلة :

بردون ، ماذا قلت ..؟ لم انتبه لكلماتك . -

ورغم شعور الطلاب بالألم على الأمير .. الا ان ضحكهم  كان قويا ، قاطعته الطالبة مروّة:

- مأساة حقا بعد ان كاد يحصل على ما يريد ، لا بأس عليه ، سينتظر ثماني سنوات أخرى.. ولكن البوذية شهدت في القرنين السادس والسابع الميلادي ، تطوير نوع جديد من البوذية، بادعاء ان الفلسفات والعقائد  الأخرى مجرد اوهام وتضليل ، وابتعاد عن النورانية  التي تحل على الانسان من قوى عليا ، بممارسة رياضات معينة للتأمل مثل "النيرفانا " ، ولفهم نهجهم الجديد ، يطرحون سؤال فلسفي لم أجد له جوابا:

- ما هو الرنين من تصفيق يد واحدة فقط ؟

- هل وجدت الجواب يا مروة ؟ سألها المحاضر.

-  اظن سأغير ديني الى البوذية وامارس النيرفانا ،لأجد الجواب..

اذن سننتظر الجواب من مروة .. معنا اربع سنوات  !!

04 سبتمبر 2010
محمد خطاب · شوهد 3 مرة · 0 تعليق
الفئات: الادب
عزة نفس ... وكبرياء ! م. محمد حسن فقيه



عزة نفس ... وكبرياء !







م. محمد حسن فقيه





eng_moh_fakih@hotmail.com




لم أقتنع برده وحماسه وهو يشرح فكرته ، وإن احترمت وجهة نظره ، مع أنه أشعرني
بالخجل من تصرفي ، إلا أنه حقيقة كبر في نفسي - إن كان صادقا -  وهو يتحدث
مسهبا عن العزة والكرامة ... والشهامة  .... والإباء .... وأهل الفضل والكبرياء
، وبعد كل سطر يقوله يكررعبارته ، والتي يبدو أنه معحب بها كثيرا :




"هم رجال ونحن رجال " فعلام نكون لهم خدما ويكونون علينا سادة !



حتى
أشعرني بعقدة الذنب إذ قدمت هذا العرض ، الغير مناسب ، للرجل الغير مناسب ، في
الوقت الغير مناسب ، علما بأن ما عرضته عليه ومن وجهة نظري لم  يكن فيه منقصة له
أوإهانة ،  فطباع الناس تختلف ، والحاجة قد تلجئ الإنسان ليقوم بأعمال يأبى أن يقوم
بها لولا الضرورة والحاجة ، وفي جميع الأحوال فإن العمل الشريف لتحصيل لقمة الحلال
ليس عارا ولا منقصة .



من
فترة قريبة كان يعمل لدي في بعض مشاريعي عاملا عاديا فهو لا يحمل أي شهادة ، فضلا
عن أنه لا يتقن أي مهنة من أعمال البناء أو ما يلحق بها ، وكنت أراعي وضعه
الإجتماعي والأسري وسنه الذي تجاوز الأربعين فأغض الطرف عن جده ونشاطه ، وحركته
وإنتاجه ، مقدرا صدقه وأمانته بحسب ما أظن ويظهر لي ، فرأيت أن أعرض عليه هذا العمل
المؤقت لمدة أسبوع يقوم فيها بخدمة المهندسين الخريجين الجدد  مع أساتذتهم  في هذه
الدورة التدريبية ، من تقديم الطعام والشاي ،أو ترتيب القاعات  والغرف ، وكان لي من
وراء ذلك هدفا أبعد - كنت أظنه في صالحه - فلعله يتعرف من خلال عمله هذا بأحد
الأساتذة أو المهندسين ، ويفهم وضعه  فيؤمن له عملا وظيفيا عنده يتناسب مع وضعه
وعمره .




السواد الأعظم من الموظفين خريجي الجامعات ، مدرسين أو إداريين أو غيرهم يعيشون
حياة متواضعة بالكاد تكفي إحتياجاتهم الضرورية ، وإن كان لأحدهم  أولاد يدرسون في
الجامعة أو لديه  مصاريف أو التزامات أخرى طارئة فلا بد من عمل مسائي آخر لتأمين
متطلبات هذه  الحياة  القاسية ، فكيف سيكون مصير من لا يملك شهادة جامعية أو حتى ما
دونها ، وبنفس الوقت لا يتقن مهنة أو يجيد حرفة ، فضلا عن أن عمره قد تخطى سن
الشباب وتجاوز الأربعين ، وفوق كل هذا عائلة مكونة من تسعة أفراد عدا الأبوين ، لا
تبقي ولا تذر ، تحصد الأخضر وتطحن اليابس .




شكرني بأدب لا يخفي في طياته لهجة عتاب رقيق ، حتى قال لي أخيرا : صحيح أني عملت
معك كعامل ، لكن معك أنت .... وأنت لست كالآخرين ! أما أن أعمل خادما ..... أقدم
الشاي أو الطعام ..... أو أرتب الغرف والقاعات فهذا أمر مختلف تماما .




اعتذرت له عن سوء تقديري للأمر وشرحت له وجهة نظري أبرر له موقفي بعد أن يئست من
إقناعه ،  عدا عن أن عمله خلال الدورة لمدة أسبوع  يوازي أجره كعامل لمدة شهر، ولكن
أن يكون عند البعض نفسا كريمة ، وعزة  وأنفة  وكبرياء ، فهذا شعور طيب يدفع بصاحبه
إلى ثقة عالية بنفسه ، وطموح للمستقبل ، وأخيرا حاولت أن أخفف من وقع ذلك على نفسه
العزيزة وأخلاقه الكريمة ، وطباعه الأبية ، بعد أن أشعرني بأنني قد طعنته في مقتل
وجرحت كبرياءه  قائلا له :




كلنا  .... جميعنا .......  نحن البشر......  نخدم بعضنا بعضا بطريقة أو بأخرى .




وقبيل  توديعه كبست في يده ورقة نقدية كمعونة له وأنا أعلم وضعه تماما كمعيل وعاطل
عن العمل ، دسّها في جيبه شاكرا بعد أن أظهر إمتناعه عن أخذها في البداية وحاول
إعادتها وردها لي أكثر من مرة .... هدأ بعدها وتحولت تقاسيم وجهه إلى اليسر
والإنشراح ، بعد أن عصفت بذهنه ثورة  الكبرياء وعزة النفس ... وكرامة المحتد ! .
وللحق فإنني لا أعلم شيئا عن أصله وفصله ، أو حسبه ونسبه ، أوعائلته  وقبيلته .




شكرني مرة أخرى على اهتمامي به وتفكيري له بعمل مناسب  ، وحثني على الإستمرار في
ذلك ، وأعطاني رقم هاتفه الجديد إمعانا في الجدية ، وأخيرا أكد لي ثانية على وصيته
بأن يكون العمل مناسبا ! .  



لم
يمرعلى هذه القصة أسابيع قليلة حتى استلمت مشروعا جديدا وأحتاج فيه إلى بعض
الموظفين والعمال ، فخطر في ذهني أن أهيء له فرصة عمل في هذا المشروع بما يتناسب مع
وضعه ، وبدأت أستحضر الأعمال والوظائف اللازمة وأفرزها واحدة واحدة ، لأجد له
الوظيفة المناسبة على قياسه ، فهو يريد وظيفة لا تحتاج إلى بذل جهد ومشقة ، وأن لا
يضطر فيها صاحبي إلى التنازل عن شيء من كرامته ، أو عزته وأنفته كما سماها ، وهو
بهذا لا يقبل أية تعليمات أو أوامر مهما كانت ومن أي شخص كان عدا ي أنا ، كما  قال
في المرة الماضية أني لست  كالآخرين ، فهو لا يتحسس من طلباتي وتعليماتي  له ، فقد
سبق وأن عمل لدي عاملا في مشاريع أخرى .




وأخيرا استقر الرأي عندي حول أحد عملين له ، ولما اتصلت به وحضر إليّ  سألته إن كان
يعمل أم مازال يبجث عن عمل ، ورد بالنفي بأنه مازال يبحث عن عمل مناسب ولم يجد فرصة
عمل كريم حتى الأن ! ثم بدأ يتكلم عن ركود السوق وانعكاسات الأزمة الإقتصادية
العالمية على الأوضاع المعيشية ، وزيادة نسبة البطالة في الوطن ، والشكوى العامة
والتململ بين المواطنين في البلد بل وجميع البلدان ، ومنعا للإطالة والإسهاب 
أخبرته بأني قد وفقت في مشروع وأظن أن فيه أكثر من فرصة عمل له تناسبه ، فأجابني
بابتسامة لا تخفي في طياتها شيئا من التحدي ، بأنه يريد فرصة واحدة فقط تناسبه ! .



قلت
: الوظيفة الأولى مراقبا للعمال ومشرفا عليهم  .



-
وماذا سيكون عملي ومسؤوليتي تجاههم بالضبط ؟



-
تسجل حضورهم وغيابهم وساعات عملهم ، وتأمن متطلباتهم من العدة  أو غيرها بالتعاون
مع الحارس وتبلغ المشرف احتياجاتهم ، وتبلغهم رسائل المشرف  .




أطرق صاحبي برأسه إلى الأرض قليلا ثم رفع رأسه وآثار عدم الرضى بادية على ملامحه
وهو يقول بشيء من التحدي المبطن : وما هي الفرصة الأخرى ؟




أجبته بأسلوب جاد ولهجة فيها بعض الصرامة : حراسة المشروع .



-
وكيف ذلك ؟



-
تسليم معدات العمل للعمال صباحا وجمعها مساء بعد انتهاء العمل ، ووضعها في المخزن ،
وحراسة المعدات ومواد البناء والمحافظة عليها .



-
وهل يتطلب هذا العمل مني النوم في المشروع ؟



-
بالطبع فهذا صلب عمل الحارس وعين الحراسة .



-
ولكني لا أستطيع النوم  خارج  المنزل فأنت تعرف وضع الأولاد و....



-
إعتبر نفسك مغتربا لمدة أسبوع فقط ، فسيكون لديك إجازة أسبوعية  يوم الجمعة .



-
المبيت في المنزل كل يوم ضروري بالنسبة  لي ولا أستطيع بدونه .



-
أجبته بدعابة : لقد كبرت على هذه الأمور يا رجل ! .



-
لا ليس هذا السبب وإنما ....



-
دعنا من أمر الحراسة ... لقد أخبرتك بالوظيفة الأولى  كمراقب للعمال .



-
إن التعامل مع العمال متعب ومزعج ، كما أن هذا العمل يتطلب مني الوقوف والحركة
كثيرا طوال النهار .



-
من سنتين كنت تعمل لدي عاملا نشيطا ، وهذا العمل لا يحتاج إلى ربع المجهود الذي
يبذله العامل .



-
لقد تغير الحال ، لم نعد شبابا يا "باش " مهندس .



-
الظروف صعبة ، والأمر يحتاج إلى التحمل وبذل الجهد .



-
سوف أفكر في الأمر وأرد لك الجواب غدا .



-
إني في انتظار سماع ذلك منك .




شكرني كالعادة على اهتمامي به ، آملا مني أن لا أسيء فهمه ، فأجبته هذا شأنك ، ولك
أن تختار ما تراه مناسبا ، وفي النهاية  لم  أنس أن أدس بيده ورقة نقدية مما وفقني
الله إليه .    



في
اليوم التالي إعتذر لي كما كنت متوقعا ، بعدما سمعت منه الأمس اعتذاراته وأسبابه
الواهية ، وعندما أراد تكرار إسطوانة الأمس اختصرت الحديث معه مجيبا بأنه لا حاجة
للإعتذار أصلا  فلقد عرضت عليك الأمر ظنا مني أنه لمصلحتك ، أما بالنسبة لي فإنه
لدي لكل عمل بدلا من الواحد عشرة ينتظرون هذه الفرصة.



في
اليوم التالي اتصل بي وطلب مني أن يرسل ولده  إبن السابعة عشر ليعمل مشرفا بدلا منه
إن كنت قد فهمته خطأ ، ليصلح الأمر على حد زعمه  ! .




نسيت أمر هذا الرجل بعد أن تولد في قناعتي بأن الرجل غير جاد في البحث عن عمل ، وأن
تغيرا لا شك قد حصل في حياته ، فربما أتاه مصدر دخل من جهة أهله  من تركة  أو إرث ،
إذ أنه من عائلة كريمة ذات أصل وحسب ، كما ينوه ويلمح دائما إلى ذلك ، أو أنه
استمرأ الجلوس في البيت وراقه ذلك ، ورزقه يأتي إليه رغدا بطريقة أو بأخرى ، وإلا
فما سرّ إعراضه عن العمل والإعتذار بأسباب واهية وغير منطقية ولا مقنعة ؟  .




مررت بطريقي على صديقي جلال ٍأبي حامد في محله "سوبرماركت" لشراء بعض الأغراض فسلم
قائمة الطلبات إلى أحد عامليه وأقسم علي أن أجلس معه قليلا ، وأسرع في صب فنجان
القهوة من دلته الخاصة التي يحتفظ بها تحت مكتبه ، وبينما كنا نحتسي القهوة العربية
بالهيل قال لي : أريد استشارتك ومساعدتك في شخص يعينني في المحل لمحاسبة الزبائن
على الصندوق ، وبالطبع فإنه لا يشترط فيه الشباب والجلد ، كما لا يشترط الدوام
الكامل إن شاء ، وإنما الشرط الوحيد لهذا العمل هو الصدق والأمانة .




وبينما كنت شاردا أفكر في شخص مناسب لهذا العمل ، قطع علي تفكيري مستعجلا وهو يقول
: صراحة أريد استشارتك في فلان وهو يشير إلى صديقنا القديم العامل صاحب "هم رجال
ونحن رجال " ، فأطرقت برأسي قليلا دون أن أجيب ، فحثني على إبداء رأيي به كصدق
وأمانة ، ثم أضاف عدا أنه رجل كبير عاقل ، وفوق ذلك فهو عاطل عن العمل منذ فترة
طويلة ، ويستحق المساعدة بل والصدقة ، فأجبته كل ما تفضلت به صحيح ولكن من خلال
تجربتي معه أنه قد استمرأ الجلوس بدون عمل ، وأعجبه إنتظار ما يأتيه آخر الشهر من
هنا وهناك ، فأجاب صديقي إن الجلوس في البيت بدون عمل متعب وممل  ومذل ، وأنا مستعد
أن أعرض عليه ليعمل بقدر ما يستطيع في اليوم دواما كاملا ثماني ساعات ، أو نصف يوم
أربع ساعات ، أو حتى ساعتين .




فقلت له جرب ولن تخسر شيئا ، إلا أنني لا أظنه يوافق ! ثم حملت بضائعي التي رتبها
لي عامله ، ونقدته حسابها وانصرفت مودعا .




اتصل بي صديقي جلال بعد ثلاثة أيام ليخبرني بأن صاحبنا قد اعتذر عن العمل لديه كما
خمنت ، وذلك بحجة ألم في ظهره ، فهو لا يستطيع حتى الجلوس على الكرسي ! ولم تفلح
معه كل محاولات الإغراء ليعمل معي حتى ساعتين في اليوم وأحسب له مرتب نصف شهر ، كما
ذكر لي بأنه يبيع بعض الحاجات الخفيفة على باب المسجد بعد الصلاة ، فتشغله من الظهر
وحتى العشاء ، فيسلي نفسه بذلك ، ويستفيد منها قليلا ، ويستر بها نفسه ويسد بعض
حاجته ، ثم أضاف لي صديقي أبو حامد قائلا : ولكني  لا أظن أن سرّ إعراضه عن قبول أي
عمل ، هو هذه البسطة الصغيرة التي يعرض محتوياتها أمام المساجد بعد الصلاة ، فلقد
أحسست في نفسي بأن وراءها هدفا ، لأن البضاعة المعروضة لو بيعت بكاملها فإن مجمل
ثمنها لا يكفي عائلته مصروف الخبز، ولذا فإني أظن - وأرجو أن أكون مخظئا - بأنها
مجرد مظهر تخفي وراءها الحقيقة ، ولما سألته وألححت عليه عن الحقيقة التي يظنها
وراء هذه البسطة المتواضعة ، فأجابني حقيقة بأنه لا يدري الآن ، و لا بد للسر أن
يظهر، ولكن الأمر الذي يجزم به ومتأكد منه بأنها ليست إلا فخا أو صنارة ، يسحب بها
الصيد الثمين والهدف الحقيقي ، فقلت له ولكن صاحبنا رجل بسيط ، ولا أظنه دجالا أو
نصابا ، فأجابني البسيط أنا وأنت ! وستكشف لنا الأيام هذا السر ّ! .



مع
أن الأمر لا يعنيني حقا ، فكل انسان في نهاية الأمر حر بماله ونفسه ، وقد بذلت جهدي
لأساعده بما كنت أراه مناسبا فتعذر بأسبابه الواهية ، مع أنه كان بأمسّ الحاجة لهذا
العمل ، والذي هو أكثر من مناسب له ، إلا أن حديث صديقي جلال أثار فضولي لمعرفة
السر المكنون خلف هذا الإعراض ، والهدف الحقيقي من وراء ذلك الفخ  ، مع أنه مر على
هذا الأمر أكثر من سنتين .




لبيت الدعوة مباشرة لزيارة صديقي جلال عندما اتصل بي يدعوني لشرب فنجان القهوة عنده
في المحل وأخبرني مع نهاية المكالمة : لقد وضعت يدي على السر المكنون والهدف
الحقيقي للبسطة الصغيرة أ مام المسجد  منذ فترة طويلة ، ولم أشأ إخبارك لأني لم أكن
متأكدا  تماما ، ولكن هناك ما هو أهم من هذا .



قال
صديقي جلال بعد أن أتيته المحل : هذا الأمرالذي سأرويه لك حصل من سنتين تقريبا
وليس جديدا ، ثم أضاف قائلا  بعد أن خرجت من المسجد صدفته أمامي وقد فرد بضاعته
والتي لا تساوي بمجموعها خمسمائة ليرة ، والمكونة من كتب أدعية وبخوروبعض أعواد
السواك ، فأمسكت بأحد المصلين من الحي ممن يبدو عليهم  التقوى والصلاح فسألته عنه ،
وقلت ما بال هذا الرجل وما وضعه ، فقال إنه رجل مسكين ، يعرض بضاعته هذه ، ليتصدق
عليه الناس بل إن الأغلب ممن يعرض عليهم البضاعة ويلح عليهم في ذلك ، يعطونه ثمنها
ويتركونها  له حياء ويتخلصوا من الإحراج الذي يوقعهم به ، ثم أضاف صاحبي جلال قائلا
: تركت الرجل لأتأكد من مصدر آخر فأجابني الرجل الجديد : أقولها لك بإختصار مفيد ،
وأعطيك الخلاصة من الآخر إن كان أمر هذا الرجل يهمك ، ثم استمر في حديثه دون أن
ينتظر جوابي قائلا بحدة : إنه متسول ! فقلت ولكنه مسكين وفقير ، فأجابني إن ما
يجمعه بهذه الطريقة أكثر من دخلي ودخلك معا ، عدا ما يتصدق عليه الكثير في الأعياد
والمناسبات ومع بدابة كل شهر، لما يظنون فيه الحاجة وضيق ذات اليد ، خاصة عندما
يأتي ببعض أطفاله الصغار معه جانب "عدة النصب " حفاة وبثياب مهلهلة رثة ومقطعة ،
فقلت ألا تظن أنك تظلم هذا الرجل وتقطع رزقه بكلامك هذا ، ألا ترى ما يبدو عليه من
تقوى وصلاح ، فأجابني وهو يسير بعد أن ضاق بعبارتي هذه : هذا رجل وضيع ، وممثل
محترف ، لا بل هو مهرّج كبير .



قلت
لصاحبي ومن غير تعليق على الخبر الأول أو الوقوف عنده ، وما هو الأهم من ذلك والذي
ذكرته لي على الهاتف ؟ !




فأجاب أبو حامد إن الأهم من ذلك هوالخبر الجديد ، والذي سيؤكد صحة الهدف أعلاه .  



-
وما هو الخبر الجديد ؟



-
لقد اشترى صاحبنا الشهر الماضي  شقة جديدة  في حي الياسمين ، وانتقل إليها بعد أن
أثثها وفرشها بفرش جديد  وأحسن أثاثها .



-
يرزق من يشاء بغير حساب .



-
كما اشترى محلا تجاريا في نفس الحي ! .



-
يا سبحان الله ! شقة ومحل معا في نفس الحي  وبوقت واحد ! ولم غير حيّه المتواضع
القديم ؟ !



-
وسمى المحل : بقالة الأمانة !



-
كان الأحرى أن يسميها بقالة العزة والكبرياء ! .



-
وأما الخبر الأخير فقد خطب لإبنه وجعل دعوة الإحتفال بعرسه ، في صالة الديماس على
طريق المطار ! .



-
فأجبته معقبا على خبره الأخير وأنا أقلب يدي تعجبا : وأما بنعمة ربك فحدث ! .



04 سبتمبر 2010
محمد خطاب · شوهد 3 مرة · 0 تعليق
الفئات: الادب
قصة صحفية شحنة من الأمل ميسون أسدي

ميسون أسدي


"يا طيارة في السما، سلمي على عمي صالح وقوليلو مشتاقين نشوفك بيننا.." هكذا كنا نهتف ونحن صغار، كلما حلقت طائرة فوق سماء بلدتنا دير الأسد.. نترك كل ما بأيدينا، نتوقف عن اللعب ونلاحق الطائرة بهتافنا الطفولي..

وعند صبيحة العيد كنا نهرول بملابسنا الجديدة، إلى جدنا محمد طه أبو صالح المقعد في فراشه، فنتسابق فيما بيننا قائلين: سيدي.. كل عام وأنت بخير.. ان شالله السنة الجاية بتشوف عمي صالح..

عندها، كان يعطي كل واحد منا بضعة قروش، نأخذ القروش ونطير غير آبهين لجدي أو لعمي صالح، كنا نعرف بأن هذه الجملة هي كلمة السر لإخراج القروش من جيب جدي..

علمت بأن لديّ عم أسمه صالح، وأنه غائب، وكان أبي عندما يريد أن يؤكد على صدق أقواله يُقسم: وحياة غيبة أخي صالح..

اعتقدت بأن الطائرة توصل النداء لعمي لكنه لا يستجيب لندائنا.. وفي مرّة، سألت والدي: أين يسكن عمي، ولماذا هو غائب، ولما لا يأتي لزيارتنا؟

ضمني والدي إلى حضنه وربّت على كتفي قائلا:

ولد عمك صالح، في قرية دير الأسد، وهو البكر لعائلتنا المكونة من خمسة أخوة وأربع أخوات، قتلت والدتنا وهو يبلغ 13 عاما على أيدي لصوص جاءوا ليسرقوا غلالنا ونحن نفلح الأرض في قرية الكساير، حيث رحل والدي برفقة العائلة إلى الكساير لخلاف مع عائلة أخرى.

اضطر عمك صالح أن يعمل في سن مبكرة ويعيل عائلته، فعمل مع أخواله من بيت الحنفي وبيت الشحبري، وهم يقيمون اليوم في مدينتي نابلس وشفاعمرو، فكان تاجر حبوب وسمانة، يصدر الحبوب ومنتجات الألبان والزبيب والملبس ويبيع من الطعام كل ما هو دهين وطحين وحلو وكان يُعرّف بـ "بائع الملبس".

امتاز أخي بهدوئه واتزانه وحبه للآخرين، ذو عقل واع وفكر مستنير، وكان ذا ملامح تبعث الطمأنينة إلى النفس، استأجر دكانًا صغيرًا في "سوق العتم" في مدينة عكا، راجت تجارته وعشنا في بحبوبحة، وتمتعنا بخيرات الحياة. تزوج جدك من امرأة قاسية القلب، فبات لنا صالح بمثابة الأم الحنون لنا، وخاصة لأخواتي البنات اللواتي ما زلن حتى يومنا هذا يذكرن طيب خلقه.

أراد عمك أن يوسع تجارته، فسافر إلى لبنان ليصدر بضائعه، وفي عام 1948 سقطت فلسطين في أيدي اليهود، وأغلقت الحدود، ومنع من الرجوع إلى الوطن.. واعتقل الجيش اليهودي جميع الشباب الفلسطينيين ومن ضمنهم إخوتي وأنا، وهكذا زجوا بنا في المعتقل، لمدة ستة أشهر، وهربت نساء القرية إلى القرى الدرزية المجاورة، واحتمين في بيوتها، وقسم آخر شرد في الوعور والجبال في انتظار خروج الجيش من قريتنا.

عاش عمك وحيدا لفترة قصيرة في مخيم عين الحلوة، بلا عائلة ولا أقارب، وشعر بالضياع، فتزوج فتاة لاجئة من قرية الجديدة الواقعة في شمال فلسطين، اسمها "هنية" وكانت مخطوبة لابن عمها، وهربت مع والديها وإخوتها إلى لبنان في مخيم عين الحلوة، الذي حضن أهل الجليل الأعلى ومنهم أهل دير الأسد، وأنجبت منه ثمانية أبناء..

***

في أزقة مخيم عين الحلوة، أوقف الأطفال لعبهم وركضوا وراء الطائرة المحلقة وبدأوا يهتفون بأعلى صوتهم: يا طيارة في السما، سلمي على جدي محمد طه وأعمامي وعماتي في دير الأسد وقوليلهم مشتاقين نشوفكم..

من بين هؤلاء الأطفال كانت طفلة، تعرف جيدا، أن لها جدًا وأعمامًا في دير الأسد، وقد عرفت ذلك من والدها صالح، الذي كانت ترافقه في زيارته المتكررة لأهل المخيم وخاصة أهل بلدته، وكان يصر على توثيق صلته مع أهله في فلسطين وتوثيق علاقته بأهل المخيم فيهنئهم في الأعياد، ويزور المرضى ويساعد المحتاجين.

وذات مرة أخبرها والدها، بأنهم سيسافرون إلى قبرص ليلتقوا مع أعمامهم وأولادهم هناك.. كادت الطفلة تطير فرحًا..

كان اللقاء حميمًا وقاسيًا ومؤثرًا.. عندها تساءلت الفتاة: لماذا لا نستطيع زيارتهم في بلدنا دير الأسد؟

فأجابها أحد الأعمام والدمعة تكاد تقفز من عينه: منذ عام النكبة أو بالأحرى عام المذابح ونحن نحاول ذلك.. وأملنا بالله كبير..

أقترب العم صالح من أخيه وهمس في أذنه: سأزوج ابنتي لأبنك..

ورغم معارضة زوجته وبعض أبنائه على هذا الزواج، خوفا من تشتيت العائلة مرّة أخرى، إلا أن العم صالح أصر أن يزوج صغرى بناته لابن أخيه حتى يحافظ على صلة قوية بين أبنائه وفلسطين..

وهذا ما حصل، حيث تزوجت صغرى بناته ابن عمها وسكنت في مسقط رأسه، قرية دير الأسد في الجليل الأعلى.

***

في أحد الأيام، نظر العم صالح إلى زوجته، وهو يلف سيجارته، أشعلها وأخذ منها نفسًا، ثم قال لها وكأنه يستشيرها في الأمر: يجب أن نرحل من لبنان..

زاغت عن الجواب، لم تدر "هنية" ما تجيبه، وتدحرجت دمعة سخية من عينيها.. كان صمتها علامة الموافقة المرغمة، ففي حرب لبنان عام 1982، عندما غزت إسرائيل لبنان، وعصفت به وحولت أراضيه إلى ساحة قتال، وحاصرت منظمة التحرير في بيروت الغربية، وبعد المجازر التي ارتكبت بحق اللاجئين الفلسطينيين، آثر العديد من اللاجئين الهجرة مرّة أخرى إلى بقاع الأرض في شتات آخر، فمنهم من اختار تونس وبعضهم رحل إلى الأردن، أوغيرها من البلدان العربية والأجنبية.. لكن العم صالح، قرر الرحيل مع زوجته وأربعة من أبنائه إلى القاهرة للعمل مع تجار من غزة هناك..

كانت لحظة الفراق مؤلمة جدا.. فحتى العم صالح، بكى ألمًا، معصور القلب، وهو يعانق من بقي في لبنان.. وازداد إحساسه بوحشة الوحدة والغربة، ولم يكف أبناؤه الشباب عن النظر إلى الخلف، حتى وهم يصعدون إلى الطائرة ويجلسون على مقاعدها.. وكان هذا هو الرحيل الثاني للعائلة.

قضت العائلة تسعة أعوام في القاهرة، وتمنى العم صالح الموت عشرات المرات لتعثر حظه والحياة المرة التي قضاها هناك، بعد العز الذي عاشه بعرق جبينه في لبنان..

خلال ذلك، قرر تسفير ولديه لطلب العلم في بلاد العم سام.. وفيما هو يرافق احد أبنائه إلى المطار، أصيب بحادث طرق أودى بحياته، وابنه ملقى بجانبه يصارع لحظاته الأخيرة.. وبعد مرور سبع ساعات على الحادث جاءتهم سيارة الإسعاف، وتم إنقاذ الابن بعد أن سُرق كل ما بحوزتهما!!

دفن العم في القاهرة وعادت زوجته وابنها البكر إلى بيروت وكان هذا هو الرحيل الثالث للعائلة..

***

لم تصدق هنية ما سمعته من ابنتها عبر الهاتف، خاصة أن العائلة ما زالت تبحث عن الاستقرار وكيفية التأقلم في بيروت من جديد..

- أمي.. لقد تم طردنا من الكويت.. سأذهب إلى إخوتي في أمريكا..

- كيف حصل ذلك يا بنتي، صدام احتل الكويت وما دخلنا نحن؟!

- لقد تم طرد العديد من الفلسطينيين المقيمين في الكويت بشكل مباشر.. مستخدمين ضدهم حملة تطهير عرقية عنيفة ومنظمة، وذريعتهم في ذلك أن القيادة الفلسطينية قدمت المساعدات للعراق وساندته..

سكتت هنية عن الكلام، خاصة وان ابنتها الأخرى عاشت مع زوجها وأبنائها حياة كريمة في الرياض، لكن قانون منع الأجانب من التعليم في الأكاديميات السعودية، اضطر العائلة للهجرة إلى كندا طلبا للعلم، وبدأت تكوين حياتها من جديد في بقعة أخرى من هذا العالم..

قالت الأم وهي تتنهد: واحدة في كندا والأخرى في أمريكا مع أخويها.. كيف سنلتقي ومتى؟

أنهى الأولاد تعليمهم في أمريكا، وحصلوا على الجنسية هناك، وفي إحدى الزيارات لوالدتهم في بيروت، قالت الأم: أنتم تعرفون بأن والدكم، كان يزور جميع أهل بلدتنا المهجرين في لبنان، وهناك عائلات جديدة من بلدتنا رحلت من الكويت، وسكنت هنا في بيروت، وعليكم زيارتها والتعرف عليهم..

لكن الذي حصل هو أن الأولاد أثناء زيارتهم لهذه العائلات، تعرفوا على فتيات من دير الأسد وتزوجوا منهن، ورحلوا مع زوجاتهم إلى أمريكا طلبا للرحمة والاستقرار.

***

كان الغبار والدخان يملأ السماء في ساعات الغروب، وكانت هنية لوحدها عندما دوى صوت القنابل التي سقطت بالقرب من سكناها.. صرخت هنية من الفزع، ضاقت أنفاسها، فكت ازرار معطفها وخلعت المنديل عن رأسها وظلت تشعر بالاختناق وضيق الأنفاس ولم تجد من يسعفها.. فالقصف الإسرائيلي الشديد في الحرب الأخيرة عام 2006، أصابها بنوبة قلبية حادة أودت بحياتها، فدفنها ابنها بهدوء تام تحت جنح الظلام، ولم يكن بجانبه أخ أو قريب، والهواجس تمزقه، وزاد شعوره بمدى عجزه في مواجهة الويلات المحتملة والوقوع في أي مكروه على وجه العموم.. ثم بكى بمرارة، عندما تذكر أن والده دفن في القاهرة وأمه في بيروت.. ولا يعرف أين سيكون مصير باقي أفراد العائلة..

حين وصل نبأ وفاة هنية إلى أهلها في قرية جديدة وفي دير الأسد، تجمع الأهل في دير الأسد وأقاموا جنازة رمزية للأم الفلسطينية التي وُريت في ثرى بيروت..

***

فتاة مخيم "عين الحلوة" التي كانت تركض وراء الطائرات، تقطن اليوم في دير الأسد بعد أن تزوجت ابن عمها، ولديها خمسة أولاد واسم بكرها صالح على اسم والدها، وأصبحت دير الأسد مزار لإخوتها المقيمين في أمريكا وكندا وأوربا..

في أحدى الجلسات العائلية، التقت ببنت عمها الأخرى التي كانت تركض وراء الطائرات هي أيضا في دير الأسد.. وعلى حين غرة، مرّت طائرة حربية بصوت مدوي من فوقهما، فنظرتا إلى الأعلى وبدأتا الهتاف بصوت مسموع: يا طيارة في السما، سلمي على....

وفجأة تنبهتا لبعضهما.. وسألت بنت "عين الحلوة": من علـّمك هذا الهتاف؟

فقالت بنت دير الأسد: هذا هتافنا ونحن أطفال!

- وهذا هتافنا أيضا ونحن أطفال!!!

***

سمعت والدي يقول، أن حصة عمي صالح من الأرض الموروثة من جدي محفوظة لأبنائه، فسألته: لكن أولاده وبناته مشردون فمن سيعتني بأرضهم..

نظر إليّ والدي تلك النظرة القديمة، التي ما زلت أذكرها وأنا طفلة، وتدل على الأبوة المتسامحة، وقال: ومن قال أنهم سيبقون مشردين إلى الأبد.. سيعودون ويفلحون الأرض، مثلنا جميعا..

تمنيت لو أنه ضمني إلى صدره وهو يقول هذه الكلمات، فقد كنت بحاجة إلى شحنة من التفاؤل الذي يمتلكه، بعد أن كنت قد فقدت الأمل من عودة أي لاجئ......

04 سبتمبر 2010
محمد خطاب · شوهد 3 مرة · 0 تعليق
الفئات: الادب
صلاح عواد لماذا تموت أمي؟
 





صلاح عوّاد



 



 



أدرك
أن السؤال ينطوي على درجة من العبث، وعلى قدر من عدم المسؤولية، وإذا شئت الدقة فهو
توسل أناني ذو جذور لها علاقة بالدلال وبالحرمان. منذ وعيت لهوية المرأة التي كانت
تشارك أبي السرير وعرفت فيما بعد أنها أمي، منذ تلك البدايات المبكرة للوعي لازمني
إحساس غريب يشبه اليقين، بأن أمي خالدة، سنموت وهي لا تموت!. كانت توفر لنا دائما الملاذ
من أية تكشيرة لأبي تنم عن الغضب، دائما هي الدفء وقتما يأتي فصل الشتاء، هي البركة،
والخير الذي لا ينتهي، هي الله،حاضنة الجمال، ومصدر فيض الوجود الأبدي كما يقول المتصوفة،
هي عشتار وإزيس وأثينا وأفروديت وفينوس ومريم وفاطمة، هي الأم الكبرى
.



 



 



مرة
ثانية أعيد السؤال،



كيف
تموت أمي؟



 



ليس
في الأمر مفارقة حين أطلقتني من البداية حرا، وأن تغذي فيّ البوادر الأولى للتمرد،
فهل كانت تدرك صيرورة الموت ؟ وهل كانت تجد فيّ استمرارا للحياة ..؟   أكيد أنها ملكت ينبوعا خاصا للحكمة، وهي ترى الحياة
مثل نهر هيراقليطس الذي لا يمكن النزول فيه مرة ثانية .. مرة قالت لي "إن ماركس
وسارتر قد خربا حياتك !" . قد تكون على حق، وربما أدركت بحسها الفطري أن الفلسفة
قد تجنبت سؤال الموت، وأن الفلسفة أرادت الانتصار على الموت من خلال تمجيد الحياة،
ورسم صورة مثالية لها. ألم يعلمنا سارتر بتأثير من هايدجر  أن نقبل الموت كتجلي من تجليات الوجود
.



 



 



عندما
قرأت سبينوزا شعرت بالانتصار، لأن أمي لا تعرفه، كتبت لها "أنك مثل إله سبينوزا
ومثل طبيعته، أنت الخالدة، والمطلق الذي لا يقبل الحد " . ضحكت من عبثي، وتناست
مزحتي الثقيلة . وأردت أن أقول لها إن سبينوزا بأدبه الجم وبحياته البسيطة،  وبموته المبكر 
قادنا إلى الألفة مع الموت. وفي سنوات الحصار القاسي كنت أحدثها عن ريلكه عن
ألفته القاسية مع الموت، وأقول إنه شريد مثلي يبحث عن أمه الضائعة لذا اعتنت فيه الأميرات
والكونتيسات، وترد علي مازحة " انتهى عصر الأميرات
" .



 



هل
كانت أمي تعرف عصر الأميرات ..؟



لا
أدري
.



ما
أعرف، أنها أميرة صغيرة، عشقها أبي عندما كان يعمل في شركة النفط العراقية بمدينة كركوك،
وربما عشقته لأنها وجدت فيه صورة أمير متهتك يعشق الغناء والعتابة . وربما غامرت، أو
على الأقل هذا ما شعرت فيه، عندما اكتشفت أن أبي لم يوقف تهتكه، ولم يكف عن مغامراته
مثل عمر بن أبي ربيعة . حاولت أن أقول لها إن الشعر يتهتك، يريد اقتحام الموت، ويسعى
إلى أنسنة الموت، لكنها أدركت كما أدركت شراسة أبي
.



 



كيف
تموت أمي ..؟



 



حدثتها
قبل أن أذهب إلى لشبونة، كان صوتها صافيا، وضحكت معها، وقالت لي أحبك، متجنبة شطحاتي
عندما قلت لها " كلما تصيبني مصيبة أدعو اسمك، وأقوم باسمك وأتوكل باسمك وأنت
كل الوجود بالنسبة لي
" .



 



 



لماذا
تموت أمي. ؟



 



كان
أبي يكره الموت، ويبغض الخمر، ويعشق النساء، فتجاهلت أمي الخمر التي لا تعرفها، واتخذت
من المرأة موقف الحياد تعاطفا معها .ربما بالغت بالتسامح، وربما تعلمت من عائلتها التي
تشبعت بتراث الصوفية، من تراث الطريقة النقشبندية المنحدرة من أدبيات محي الدين بن
عربي



 وفي أول مرة احتسيت الخمر، حمتني من غضب
أبي، وأدركت بحس الأم، وربما كانت مدفوعة بنزعة التسامح، حين قررت أن تنتظرني في أول
ليلة أعود فيها متأخرا إلى البيت .. كنت ثملا من ربع قنينة من العرق، وجدتها تنتظرني
وهي حاملة بصلة مقشرة كبيرة وألقمتها في فمي لتزيل رائحة العرق، وكان أبي ينتظرني بقلق..
وحين جلست معه شم رائحة البصل من فمي وقبلني لكي أنام ! .. كم مرة وددت أن تضع في فمي
رأس البصل قبل أن أقابل مسؤولا، أو وزير خارجية في نيويورك بعدما احتسي بضعة كؤوس من
الويسكي العذب . أقول لها هذا فتضحك من عبثي مرددة، وكأنها الشيخ معروف الكرخي
" يسعدك الله في الآخرة كما أسعدك في الدنيا
" .



 



وفي
مرة أخرى لم تسامحني بغية تأديبي، لم تحتمل وهي تراني ثملا في عزّ الظهيرة، فأدبتني
وعلمتني أن لا أشرب أثناء النهار أبدا . وكأنها أدركت أن البشر يخططون لموتهم ولمستقبلهم
أثناء النهار وليس أثناء الليل، لذا لم تغفر لي الثمالة في النهار.  بعدما صحوت، وبعد تعذيبها، قلت لها إني التقيت بقديس
جاء بقنينة ويسكي، ثم اخترنا موقعا عند ضفة نهر دجلة، وقدم لي ذلك القديس الذي يشبه
المسيح قنينة ويسكي، وأخذنا نشربه مخلوطا بماء النهر، وهكذا سكرت .. وجئت إلى البيت
ثملا لا استطيع حمل نفسي وبقيت أتقيأ إلى ما شاء الله حتى قادتني إلى السرير، ثم نمت
.. وعلمت في اليوم الثاني أن القديس قد اختفى، 
وربما قد مات ولم أجد له أثرا له أبدا .. رغم ذلك بقيت أمي على صرامتها ولم
تقتنع بالمسيح أو الولي الذي قادني إلى الموت
!



 



 



مرة
أخرى لماذا تموت أمي..؟



 



إنه
سؤال يلح علي، ويدفعني إلي متاهات بعيدة، ربما إلى أسئلة الفلسفة  الأولى، إلى جذور فلاسفة الطبيعة الذين سبقوا سقراط،
الذين علمنا نيتشه تبجيلهم، نكاية بسلطة العقل، بسلطة الرجل وبسلطة الأب. ألم ينتصر
نيتشه لباخوس وللطقوس الأورفية، التي كانت تشارك فيها الأمهات والنساء باحتفالات العربدة
والجنون لتأكيد الخصوبة. مثل طقوس بعث تموز وأوزريس وأدونيس. هي أمي التي مارست كل
طقوس الخصوبة هي من أنجبت كل الذكور وكل الإناث. هل حقا انسلخت أمي من ضلع آدم ؟ أم
من ضلع أبي ؟
.



 



 



لماذا
تموت أمي ؟



 



هل
حقا أمي من جنس الشيطان؟ وهل هي حقا ناقصة عقل ودين؟.. فالسؤال أي عقل وأي دين؟ مسكينة
أمي لم تختر لا العقل ولا الدين، رغم أن العقل لم يفارقها أبدا، وكثيرا ما كانت تسخر
من أصحاب الدين، وأي دين؟ هكذا كانت تسأل. خصص النبي محمد بتأثير من أم سلمى زوجته
الثانية بعد خديجة آيات تساوي بين المؤمنين والمؤمنات، ورغم ذلك لم تقنع تلك الآيات
أم المؤمنين عائشة، هي من اتهمت هوى الله مصاحبا لهوى النبي عندما يأتي الأمر مع النساء
.. هكذا كانت أمي تنظر إلى أبي الذي اتخذ من التصوف حجة لخيانتها، باسم التوحيد، وباسم
وحدة الكون والوجود
!.



 



 



هل
من الضرورة أن تموت أمي ؟




 



إنه
سؤال شقي، لا يبحث عن معنى، بل يسعى إلى استبطان حقيقة أمي، أو حقيقة أمهات جيلنا،
وحقيقة الجيل الذي سبقنا. إنها ( أمي ) من حرصت على توليد الحياة، ولم تحرص أبدا على
توليد معنى ولذة الحياة . أذكر عندما أخبرتها عن زيارتي الأولى للقاهرة، شعرت بانفراج
شفتيها وببسمتها،وأنا أتحدث إليها عبر الهاتف لتقول لي " إن مصر أم الدنيا كم
تمنيت أن أكون فيها " . أدركت حينها قسوة حياتها، وكم كانت تريد أن تعيش الحياة
التي مثلتها الأفلام والمسلسلات المصرية . وتذكرت أيضا المرات العديدة التي حرضتها
فيها للتمرد على أبي، لكنها بخجلها الميتافيزيقي، الذي لا تدرك سرّه، ترد علي، وهي
محمرة الخدين مثل صبية في عمر المراهقة " عيب يا ابني
" .



 



لا
يبدو الأمر غريبا، حين تستسلم إلى الصمت، وأنا أحدثها عن باريس، ومدريد، ونيويورك،
ولندن، وأحيانا تتكرم علي بجملة بسيطة فيها كل الحنان لتقول " أريد الخير لك
" . وذات مرة أدهشتني حين حاولت أن أغريها بالمجيء إلى نيويورك قائلة " هل
علي أن أرتدي بنطلون الجينز " . قلت لها مازحا لماذا " بنطلون الجينز ؟
" . فردت علي " الجميع يرتدي الجينز في الأفلام الأميركية " . أعترف
أنها أدهشتني بمقاومتها المذهلة لليانكي الأميركي. ولم تقتنع عندما قلت لها مازحا وجادا
" يمكن أن تلبسي ما تشائين حتى إذا شئت أن تكوني عارية !". وهل يكون الأمر
مصادفة، أن تنسحب قوات اليانكي الأميركي المقاتلة في الوقت الذي تموت فيه أمي
!



 



أريد
أن أجعل من أمي وطنا، هي من عاشت سنوات الحرب والحصار والاحتلال، هي من عاشت غياب أبناءها،
هي من شاهدت ذل البطاقة التموينية، هي من تاجر باسمها الجميع، هي من أراد الكرامة لنفسها
وللجميع . فهل أبكيك أم تبكيني؟



 



 



لماذا
تموت أمي ..؟




 



أعرف
أن الوصول إلى قمّة الجبل أمر شاق،



فكيف
الوصول إلى حقيقة الحياة ؟

.



لم
أعد أتذكر من قال "إن المرأة هي الطبيعة، وإن الرجل من انقطع عنها لذا يسعى إلى
السيطرة عليها، هو من شنّ الحروب ومن فرض الحصار، ومن خلق من الفن أيقونة، هو المشغول
بانتصاب قضيبه في كل مراحل حياته" . هل حقا الحب رغبة جنسية مؤجلة كما قال فرويد؟
.



أنتظر
الإجابة منك يا أمي يا خالقة الحياة

.



 



 



 لماذا تموت أمي ؟



 



كم
تمنيت أن أكون معك، قرب سريرك، كي أقول: " أحبك " يا صانعة الحياة، وكم وددت
أن أقول "شاهدتك في كل النساء اللواتي أحببت وفي كل النساء اللواتي رغبت وفي كل
النساء اللواتي حلمت ". لا أبالغ إذا قلت " أنت من شاهدتك في كل العالم الذي
رسمه جغرافيو العالم القديم والحديث
"
 



كنت
أبحث عن معنى في اسمك، أيتها الأم، يا أمم كل الوجود، ألم يكن العالم جزء صغيرا في
هذا الوجود الذي حسبناه قائما بذاته وبجلاله وبذات من خلقه !. فأنت بداية البداية،
وأنت بداية النهاية، وأنت من يبتسم لي حين أعبّ كأسا من أجل حياة سرمدية
!



 



 



رفقا



 



أنت
معي، كلما تقودني خطواتي إلى البار، وكلما يقودني لساني إلى الحكمة، وكلما يظللني وهم
الصحراء. أعرف أنك أمي، أنت من شاهد خرير النهر على شفتي، ومن ضمني خوفا من موج البحر،



أنت
من شاء
....



أنت
أمي
.



 



أعرف
أن الجميع يغادرون، وأنت مثل غيمة توعد بالمطر، وبالرعد، والبرق، وبما يوهمون. وكم
شقيت لتكوني تاجا لمن لا تاج له. أنت من أغراني بالحياة، وأنت من زين لي حب الدنيا
والبنين، ومن قادني إلى حلم أن أكون.



 



 



 



شاعر عراقي، نيويورك



salah76@msn.com



04 سبتمبر 2010
محمد خطاب · شوهد 5 مرة · 0 تعليق
الفئات: شعر

1, 2, 3 ... 180 ... 360  الصفحة التالية